العيني

36

عمدة القاري

على الكفاية بالإجماع ، وكذا نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية ، وقد أنكر بعضهم على النووي في نقله هذا فقال : وهو ذهول شديد ، فإن الخلاف مشهور جدا عند المالكية ، حتى أن القرطبي رجح في ( شرح مسلم ) أنه سنة ، ولكن الجمهور على وجوبه . انتهى . قلت : هذا ذهول أشد من هذا القائل حيث لم ينظر إلى معنى الكلام ، فإن معنى قوله : سنة ، أي : سنة مؤكدة ، وهي في قوة الوجوب ، حتى قال هو : وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك ، أي : بالوجوب ، وقال : توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه ؟ . الثاني : في أن أصل وجوب غسل الميت ما رواه عبد الله بن أحمد في ( المسند ) ( أن آدم ، عليه الصلاة والسلام ، غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه ، ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن ، ثم خرجوا من قبره ، ثم حثوا عليه التراب ، ثم قالوا : يا بني آدم هذه سبيلكم ) ورواه البيهقي بمعناه . الثالث : في سبب وجوب غسل الميت ، فقال بعضهم : هو الحدث ، فإن الموت سبب لاسترخاء مفاصله ، وقال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني وغيره من مشايخ العراق ، إنما أوجب النجاسة الموت إذ الآدمي له دم مسفوح كسائر الحيوانات ، ولهذا يتنجس البئر بموته فيها ، وفي ( البدائع ) : عن محمد بن الشجاع البجلي أن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له ، لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت ، وسيأتي قول ابن عباس : إن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا . وقال بعض الحنابلة : ينجس بالموت ولا يطهر بالغسل ويتنجس الثوب الذي ينشف به كسائر الميتات ، وهذا باطل بلا شك وخرق للإجماع الرابع : في وضوء الميت ، فوضوؤه سنة كما في الاغتسال في حالة الحياة ، غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق عندنا لأنهما متعسران . وقال صاحب ( المغني ) : ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم . وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأحمد . وقال الشافعي : يمضمض ويستنشق كما يفعله الحي . وقال النووي : المضمضة جعل الماء في فيه . قلت : هذا خلاف ما قاله أهل اللغة ، فقال الجوهري : المضمضة تحريك الماء في الفم ، وإمام الحرمين لم يصوب من قال مثل ما قال النووي . الخامس : في الماء والسدر ، فالحكم فيه عندنا أن الماء يغلي بالسدر والأشنان مبالغة في التنظيف ، فإن لم يكن السدر أو الأشنان فالماء القراح ، وذكر في ( المحيط ) و ( المبسوط ) : أنه يغسل أولاً بالماء القراح ، ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر ، وفي الثالثة يجعل الكافور في الماء ويغسل به ، هكذا روي عن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، وعند سعيد بن المسيب والنخعي والثوري : يغسل في المرة الأولى والثانية بالماء القراح ، والثالثة بالسدر . وقال الشافعي : يختص السدر بالأولى ، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة . وعن أحمد : يستعمل السدر في الثلاث كلها ، وهو قول عطاء وإسحاق وسليمان بن حرب . وقال القرطبي : يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك جسده ثم يصب عليه الماء القراح ، فهذه غسلة ، وكرهت الشافعية وبعض الحنابلة الماء المسخن ، وخيره مالك ما ذكره في ( الجواهر ) وفي ( الختلي ) من كتب الشافعية ، قيل : المسخن أولى بكل حال وهو قول إسحاق . وفي ( الدراية ) : وعند الشافعي وأحمد الماء البارد أفضل إلاَّ أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلاَّ بالماء الحار أو يكون البرد شديدا . فإن قلت : الوضوء مذكور في الترجمة ولم يذكر له حديثا . قلت : اعتمد على المعهود من الاغتسال من الجنابة ، عن يمكن أن يقال : إنه اعتمد على ما ورد في بعض طرق حديث الباب من حديث أم عطية : ( إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) . وقيل : أراد وضوء الغاسل أي : لا يلزمه وضوء . قلت : هذا بعيد ، لأن الغاسل لم يذكر فيما قبله ولا يعود الضمير في قوله : ( ووضوئه ) إلاَّ إلى الميت ، ووجه بعضهم هذا فقال : إلاَّ أن يقال : تقدير الترجمة : باب غسل الحي الميت ، لأن الميت لا يتولى ذلك بنفسه فيعود الضمير على المحذوف . قلت : هذا عسف وإن كان له وجه مع أن رجوع الضمير إلى أقرب الشيئين إليه أولى . وَحَنَّطَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما ابْنا لِسَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأ مطابقتة للترجمة تؤخذ من موضعين : الأول : من قوله : ( حنط ) ، لأن التحنيط يستلزم الغسل ، فكأنه قال : غسله وحنطه ، وهو مطابق لقوله : باب غسل الميت ، والثاني : من قوله : ( ولم يتوضأ ) ، لأنا قد ذكرنا أن الضمير في قوله : ( ووضوئه ) ، يرجع إلى الميت ، وقوله : ( لم